14 - 09 - 2026

المسرح الفلسطيني في تجريبي القاهرة | أجساد تخرق الحصار وذاكرة تعيد تشكيل الخشبة

المسرح الفلسطيني في تجريبي القاهرة | أجساد تخرق الحصار وذاكرة تعيد تشكيل الخشبة

انتهى منذ أيام قليلة المهرجان التجريبي في مصر وبعد حفل الختام نجلس لنتذكر، فمنذ ميلاد مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 1988 لم تأتِ المشاركة الفلسطينية لتأدية دور الشرف أو استيفاء الحضور البروتوكولي بل فرضت نفسها كشهادة حية على قدرة الإبداع على تفكيك الحصار وتجاوز الحدود المغلقة، لقد شكلت الخشبة المصرية مدخلاً لعناق ثقافي ممتد بين القاهرة والقدس يتحول فيه العرض المسرحي من مجرد مادة فنية إلى منصة صمود تنزع الأشكال التقليدية جانباً لتستبدل التغطيات الإخبارية الجافة بلغة جمالية أعمق وفي هذا الفضاء، تغدو الحركة والإيماءة أدوات مقاومة صريحة ويتشكل الفضاء المسرحي كوطن موقت يُعيد من خلاله المسرحيون الفلسطينيون صياغة ألمهم اليومي عبر لغة سينوغرافية عالمية تشتبك مع أحدث صور التجريب المعاصر.

محطات فارقة في ذاكرة المهرجان

أثمر التواجد الفلسطيني على مدى عقود عن أعمال استثنائية تركت بصمة نقدية وجماهيرية راسخة

قصص تحت الاحتلال - 2001 تقديم فرقة مسرح القصبة بظ في رام الله من إخراج نزار الزعبي وبطولة أسامة مصري وحسام أبو عيشة اقتنص العمل جائزة أفضل عرض متكامل بعدما حوّل تفاصيل الحياة عند الحواجز وقسوة الانتظار إلى دراما توثيقية تمازجت فيها الكوميديا السوداء بالمرارة الإنسانية

القمامة 2014  - للمخرج إهاب زاهدة وفرقة مسرح نعم من الخليل ونال جائزة أفضل إخراج اعتمد العرض على سينوغرافيا مكثفة اختزلت المسرح في حاويات قمامة متراكمة في إحالة رمزية صريحة لكيفية تعاطي القوى الكبرى مع المصائر البشرية

فراغ ذاتي - 2019 رؤية المخرج محمد أبو كويك وبدعم طاقات شبابية من غزة قدم العرض تجربة مونودرامية حركية عكست حجم الاختناق النفسي والمكاني للشباب داخل القطاع المحاصر عبر استغلال ذكي للإضاءة والحبال المعلقة

معتقل - 2024 تجربة مستقلة من إعداد وإخراج معتز المجدوب استغنت عن النص المكتوب لصالح التعبير الجسدي والرقص الحديث تُقسَّم الخشبة خلال العرض إلى مساحات ضوئية ضيقة تحاكي زنازين العزل لتوثيق تجربة الأسر داخل السجون

صدى جدار الصمت - 2024 افتتحت الدورة الـ31 احتفاءً بالقضية الفلسطينية عبر عرض كوريوجرافي للمخرج وليد عوني وفرقة الرقص المسرحي الحديث المصرية فكك العرض رمزية الجدار العازل بأسلوب بصري يعتمد على التضاد بين النور والعتمة، ليتحول البناء الخرساني على شاشات دار الأوبرا إلى مساحة للتعبير عن الرفض والأمل.

امتداد الأثر والتلاحم الثقافي

لم يقتصر الحضور على خشبة العرض بل امتد إلى الحراك الفكري والنقدي من خلال مشاركات قامات مسرحية بارزة وفي مقدمتهم الكاتب والناقد غنام غنام، الذي أثرى الندوات بطروحاته حول مسرح المقاومة وصون الهوية الثقافية من محاولات الإلغاء كما تجسد الدعم المؤسسي المصري عبر تذليل عقبات السفر والمعابر أمام الفرق المشاركة إلى جانب وقفات التضامن والدقائق الصامتة التي أُهديت لأرواح الشهداء في افتتاحات استثنائية

يكشف هذا المسار الممتد أن التجريب في المسرح الفلسطيني لم يكن رفاهية شكيلة أو بحثاً عن جماليات مجردة، بل وسيلة انتماء ووجود؛ يتجرد فيها المسرح من الزوائد ليتبقى الإنسان وتظل قضيته العادلة حاضرة بأكمل صورها

الفن مقاومة  ،،،  المجد للأحرار
------------------------------
بقلم: حاتم نظمي
* فنان وكاتب فلسطيني

مقالات اخرى للكاتب

المسرح الفلسطيني في تجريبي القاهرة | أجساد تخرق الحصار وذاكرة تعيد تشكيل الخشبة